فاروق جويدة

اعترافات بائعة العطور الفرنسية

اقرأ في هذا المقال
  • ومع سنوات العمر تغيرت أشياء كثيرة
  • كانت مذبحة القصور والفيلات على ضفاف النيل الجريمة الثانية في حق التاريخ والقيمة
  • كانت قصور مصر الرئاسية في عابدين

منذ سنوات كنت في العاصمة الفرنسية باريس ووقفت أمام احد المحلات التى تبيع العطور في شارع الشانزلزيه الشهير ووجدت سيدة عجوز يبدو انها صاحبة المحل وحاولت أن أتفاهم معها حول الأسعار سألتني من أين قلت من مصر .. قالت بالعربية كيف حال القاهرة قلت وماذا تعرفين عن القاهرة قالت لقد عشت فيها أجمل وأنظف وأرقى سنوات شبابي كنت اسكن عمارة جميلة أمام نادي الجزيرة .. كان أجمل من كل نوادى باريس .. وكانت القاهرة أكثر أناقة وبهاء من كل عواصم أوروبا .. لقد خرجت المدن الكبرى في أوروبا مدمرة تماما بعد الحرب العالمية الثانية وكان الأوربيون يهاجرون إلى مصر في الأربعينيات حيث الأمن والاستقرار والشعب المتحضر .

●مازلت اذكر ما قالته هذه السيدة وكنت اعرف ذلك فحين دخلت جامعة القاهرة في عام 63/64 كانت القاهرة لم تزل جميلة أنيقة نظيفة عفية .. كنت اركب الأوتوبيس من عابدين إلى الجامعة وكنت أجد مكانا اجلس فيه والشوارع نظيفة والناس على درجة عالية من السلوك الرفيع والأخلاق الطيبة .. كنا نمشى على كورنيش الجيزة وكان الشاطئ خاليا والأشجار تحيط بنا من كل مكان .. ولم تكن تجد في الطريق غير أوراق الشجر الصفراء تتناثر في أيام الخريف كأنها عقد يزين صدر امرأة جميلة

 كانت القاهرة فعلا مدينة جميلة.

●ومع سنوات العمر تغيرت أشياء كثيرة .. بدأ الشاطئ الجميل يختفي وتختفي مياه النيل بعد عشرات النوادي التى أقيمت على شاطئه وانتزعت بالقوة حق هذا الشعب فى أن يرى مياه نيله العتيق .. كان اقتطاع الشاطئ لعدد من فئات الشعب جريمة ضد المساواة والعدالة الاجتماعية التى حرمت هذا الشعب من حق من حقوقه .. كل نقابة من النقابات المهنية والجمعيات الفئوية أخذت جزء من الشاطئ وتحول إلى جراج بشرى حيث أقيمت عليه المطاعم والأندية ودورات المياه وبقايا البشر التى لوثت النهر الخالد وجعلته أضحوكة للجميع .. لم يعد النهر نهرا ولم يعد النيل نيلا وكانت هذه التجاوزات أول مبادئ الظلم الاجتماعي الذي افسد حياة المصريين .

كان فقراء مصر لا يجدون في هذه الحياة متعة غير أن يأخذوا أبناءهم إلى النيل يشترون الترمس والفول السودانى ويشاهدون نهرهم الخالد الذى منحهم دائما الشموخ والرخاء والكرامة .. لم يعد النيل حقا للفقراء منذ تحول إلى جزر صغيرة لأصحاب النفوذ والمال والسلطان.

●كانت مذبحة القصور والفيلات على ضفاف النيل الجريمة الثانية في حق التاريخ والقيمة .. مئات بل آلاف الفيلات التاريخية تم هدمها وتحولت إلى ناطحات سحاب وكتل خرسانية قبيحة وحرمت مصر من الجمال والتاريخ والثراء الحقيقى.

منذ سنوات كتبت سلسلة مقالات في الأهرام حول مذابح القصور والفيلات التاريخية واكتشفت أن مصر شهدت هدم أكثر من ألف قصر من القصور التاريخية خلال عشرين عاما .. كانت الضحية في هذه الجريمة البشعة هى تاريخ العمارة المصرية العريقة برموزها وأشكالها وتراثها الحضارى .. كانت مواكب القبح التى تجسدت في هذه الكتل الخرسانية الفائز الوحيد في هذا السباق .. لقد جمع رجال الأعمال الملايين من هذه المذابح وكان الجمال والقيمة اكبر الخاسرين.

●مازلت اذكر القاهرة الجميلة الأنيقة..كنت تسير في شارع سليمان باشا وقصر النيل وعبد الخالق ثروت وشريف وباب اللوق وكأنك تشاهد أجمل شوارع باريس وروما كانت العمارات نظيفة والشوارع جميلة والمحلات تضئ .. كنت تشاهد جاتنيو وشيكوريل وهانو ودور السينما والمكتبات وفى الخلفية ميدان العتبة والشارع الشهير ببيع الكتب وسور الأزبكية العريق.. كان الجمال والبهاء والثقافة والفكر تشع بكل ركن من أركان المدينة العريقة

●كانت قصور مصر الرئاسية في عابدين .. والطاهرة والجوهرة ومحمد على والقبة تمثل أغلى ما ملكه المصريون من مظاهر الجمال والثروة .. هذه هى مصر التى أحببناها وهذه هى القاهرة عاصمتها العريقة.

والآن هل يمكن أن نجد من يعيد شيئا من عبق هذا التاريخ الجميل؟. هل سيظهر لنا مسئول شجاع يستطيع إزالة نوادى الهيئات والشركات والجماعات والقوى الاجتماعية التى انتزعت النيل من أصحابه الحقيقيين وهو الشعب المصرى ؟ هل يمكن ان يصدر في يوم من الأيام قرارا بأن تكون هناك متنزهات لكل أبناء هذا الشعب ؟ سوف يكون ذلك اخطر واهم قرار يصدر في تاريخ القاهرة التى اغتصبها تجار العقارات وسماسرة الشواطئ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك قم بتعطيل حاجب الاعلانات