ادب

مخالي غلط في الحساب !

بقـلـــــــم : هشـــــام زكـــــــــي

 

 

بقـلـــــــم : هشـــــام زكـــــــــي

اعتاد منذ سنوات قليلة أن يجلس وحيدا صامتا علي نفس المقهى الذي يطل علي شاطئ الإسكندرية مرتديا بالطو فاخرا ونظارة سوداء ويبدو لمن يشاهده أول مرة أنه رجل وقور تخطي الستين بأعوام قليلة منظره يوحي بالاحترام والتبجيل خاصة عندما يجلس على الكرسي الخوص  واضعا ساقا على ساق في نفخة وعظمة كأنه يجلس فوق كرسي العرش .. وما هي إلا لحظات حتى يفاجئ المشاهد والمتابع لهذا الرجل بما يبدد هيبته ويضيع وقارة حيث يفاجأ به يقبل الصدقات من الآخرين وبالتحديد صدقتان لا ثالث لهما ساندويتش فول وكوب من الشاي فهو

لا يتسول ولا يشحذ ..  فإذا ما جاء الليل وأغلق المقهى أبوابه قام يتمشي حتى يجد سلم عمارة أو بدرونا فيسند ظهره إليه ويظل جالسا في البالطو الفاخر حتى صباح اليوم التالي فيتوجه إلى المقهى فيجلس منطويا على نفسه متباعد عن الناس ميال إلى الوحدة وقد شدت الشخصية الغريبة لهذا الرجل انتباه أحد رواد المقهى وكان شابا في الثلاثين من عمره و يعمل صحفيا وكان مهتما برصد الغريب والمشوق لقرائه الذين اعتاد أن ينقلهم من خلال  كتاباته إلي عالم ملئ بالعجائب والمتناقضات  فأدرك بحسه الصحفي أن وراء هذا الرجل  قصة غريبة يمكن أن تكون وجبة دسمة من الوجبات التي اعتاد أن يقدمها لقرائه فأخذ يبحث وراء شخصية الرجل وكان التحري الأول من خلال القهوجي الذي استدعاه الصحفي وانتحي به جانبا واخذ يسأله في حيرة ودهشة 

 ماذا يفعل هذا الرجل ؟ ومن هو ؟ وما صلته بالمقهى ؟ وما .. وما ؟ وأخذت الأسئلة تتزاحم وتنطلق من شفة الصحفي إلي أذن القهوجي الذي أجابه قائلا : عم مخالي ده حكايته حكاية وقبل أن يبدأ القهوجي سرد الحكاية جاءه استدعاء عاجل علي يد أحد الزبائن بإحضار واحد شاي فذهب يلبي النداء تاركا الصحفي يسبح في حيرته التي قرر أن يضع حدا لها فاقترب من عم مخالى بعد أن عقد العزم على أن يستطلع سره بأية وسيلة ويعرف سبب صمته وخلوته الدائمة بنفسه فحياه فى أدب ورقه واستأذنه في الجلوس.. وفزع الرجل فى بادئ الأمر إذ لم يتوقع أن يطلب أحدا الجلوس بجواره ولكن ملامح المودة والصداقة التي كست وجه الصحفي وهو يستأذنه جعلته يرد تحيته ويشير له بإمكانية الجلوس وما كاد يستقر على مقعده حتى تكلم متسائلا

– أراك دائما صامتا تغض الطرف عما حولك حتى ليخيل إلى إنك

 لا تعيش فى أرضنا هذه وكأنك لست منا ولا يعنيك أمرنا .

فنظر إليه مخالى نظرة شملته من أخمص قدميه إلى قمة رأسه قائلا :

– بل أحس وأشعر وأتألم ولكنى أغض الطرف يائسا محاولا تناسى مر الحقائق والواقع وكل ما يوجع القلب .

– إلى هذا الحد أنت يائس ؟ إذن لماذا لا تفضفض لى بما يحزنك ويوجع قلبك ؟

 ومضت برهة ومخالي صامت بعدها أطرق برأسه وقال في صوت خافت : أنا لا أعرفك وأنت لا تعرفني .. لم تريد أن تسمع قصة مجهول ؟  

– ليس من المفترض حتى يشارك الإنسان آلام الآخرين وأحزانهم أن تكون هناك سابق معرفة بينهم وإلا ما وجد من يتعرض للغرق من ينقذه .. عموما .. فلنكن أصدقاء ولتخرج من صمتك فربما أستطيع أن أنتشلك من أحزانك وأشاركك في مصابك .

– قم يا ابني.. يجب عليك أن تذهب .. كل شئ يهون .. وأنت لست أفضل من الزمن فهو الوحيد الكفيل بمحو كل شئ  .. إنه ينسينا ما نحب ويعودنا ما نكره وأنا أحاول أن أنسي ما أحببت وأعود نفسي علي قبول ما كرهته  والحديث معك سيزيدني إغراقا في أحزاني ويعيد فتح الجراح .

– ولماذا تحرم نفسك من الفضفضة فهي أول سبيل لتخفيف الحمل عن النفس الحزينة والمكروبة والإنسان دائما عندما يكون مثقلا بالهموم والأحزان يسعي دائما لمن يعطيه أذنه ليستمع إليه فالإنسان لابد له من إنسان آخر يتحدث معه ويفضى إليه بهمومه فليس أصعب على المرء من الانطواء والوحدة وأنا جئت لأخرجك من وحدتك وأعطيك أذني فالتفرغ لي كل ما في جعبتك ولا تخشى شيئا .

–  محاولتك محكوم عليها بالفشل من قبل أن تبدأ فلا تضيع وقتك فيما ليس منه فائدة .. فقد بدأت أعود نفسي على وضعها الجديد وأروضها على احتمال المكاره .. وماذا أستطيع سوى ذلك مادمت سأفعله راضيا أو كارها ؟

– وماذا سيكون ردك إذا علمت أن محاولتي لإخراجك من صمتك وفضفضتك بما هو في صدرك سيكون من أجل الآخرين فأنا أعمل صحفيا ومهتما بالمشاكل الإنسانية أسعى من خلال نشرها لمحاولة حلها وإذا لم أستطع فيكفي أنني قدمت للناس تجربة جديدة يكتسبون منها الخبرة والموعظة في الحياة  .. وبعد أن انتهي من حديثه نظر لمخالي وسأله أمازلت رافضا تلبية دعوة الفضفضة ؟

وصمت مخالي برهة .. وهو يفكر .. ثم قال اسمع .. يخيل لي أن من الخير أن أرضى فضولك .. أنا أعلم أنه من العسير أن أتركك هكذا حائرا لذلك سألبي دعوتك بالفضفضة ليس من أجلك ولكن من أجل الآخرين الذين حدثتني عنهم فقد اعتدت طوال حياتي أن أعيش من أجل نفسي فما المانع أن أعيش من أجل الآخرين الآن ولو للحظات أروى لهم من خلالك قصتي فربما تكون فيها من المواعظ والعبر  ما يرشدهم إلى سواء السبيل .

وقد تهللت أسارير الصحفي لانتزاعه موافقة عم مخالي على الفضفضة معه فهب من مقعده تعبيرا عن فرحته يشعل له سيجارة ويطلب له كوبا من الشاي بعدها شرع مخالي في الحديث قائلا : هل تعلم أن هناك مخلوقات تستطيع أن تقول أن الله حرمها  أية ميزة من المزايا التي يمكن أن ينعم بها علي عباده .. إلا ميزة واحدة عوضتهم عن بقية المزايا خير عوض وهي أنهم وجدوا أنفسهم فجأة وبدون مقدمات من أصحاب الملايين .. هل تعرف هذه النوعية من الناس أنا واحد منهم .

فنظر إليه الصحفي الشاب متسائلا والدهشة تعلو وجهه :

– مليونير فجأة وبدون مقدمات بالتأكيد نزلت عليك ثروة من السماء ؟

– نعم كانت ثروة ولكن ليست من السماء إنما من ميراث أل لي من والدي ؟.

   وزاد رده من دهشة واستغراب الصحفي الذي حاول أن يفك طلاسم هذه الدهشة فسأله قائلا: والدك صاحب ثروة هذا يعني أنك تعرف أنها ستؤول لك في يوم من الأيام .. إذن أين المفاجأة في هبوط الثروة عليك ؟

وعلى الرغم من أن سؤاله كان منطقيا إلا أن مخالي يبدو أنه تضايق من مقاطعته الدائمة له فنظر له شذرا وقال بلهجة حادة : طلبت مني أن أخرج عن صمتي وأنا أطلب منك أن تصمت حتى أنتهي وستجد من خلال حديثي إجابة عن كل أسئلتك .. مفهوم؟

وبعد هذا التحذير عاد مخالي يقلب صفحات العمر قائلا: كان والدي أحد هؤلاء المتمتعين بصفة يمقتها الجميع وهي صفة البخل الشديد والشح فقد كان يعشق المال لذاته ويهيم بحبه فيجد كل متعته في اكتنازه خوفا من المستقبل وفزعا من المجهول وهذا الفزع وذلك الخوف ولد في نفسه رغبة عارمة في الالتصاق بذاته والبحث في مخابئها لتحصين نفسه من الآتي فاندفع في جمع المزيد من المال والسعي المجهد إلي إكثاره ومضاعفته والتسلح به لمواجهة الفقر وحتى لا يطمع أحد في أمواله أو يطالبه غيره بأية التزامات فضل أن يعيش مدعيا حالة الفقر والعنت وقد أمعن خلال حياته في تجسيد دور الرجل الفقير الذي جار عليه الزمن فلا يبدو إلا في مظهر الشحاذين وكأنه يريد أن يواجه الفقر بالفقر والجوع بالجوع كمن أعطاه الله صحة جيدة وحبس نفسه في حجرة مغلقة لا يتحرك منها خوفا من التعرض للمرض وإلي جانب قدرته الفائقة في جمع الأموال واكتنازها كانت لديه قدرة عجيبة تفنن من خلالها في إخفاء ثروته عن كل الناس بما فيهم أقرب الأقربين له سوى شخص واحد كان موضع سره وكاتم أسراره حيث اتخذ منه مرآه لإخفاء ثروته الضخمة فمع كل قطعة أرض يضيفها والدي إلي أملاكه أو محل يشتريه كان يحرر العقد باسم كاتم أسراره    وفي نفس الوقت كان يحرر معه عقدا آخر يضمن ملكيته فيبدو كاتم الأسرار هو المالك من الظاهر في حين كان والدي هو المالك الحقيقي من الباطن .. ولك أن تتخيل أنك تعيش في كنف والدك حياة ضنكا أقرب للتقشف من أي شئ آخر وهو يمتك مبالغ طائلة .. ولك أن تتخيل وقع المفاجأة والصدمة لشاب عاش مثل هذه الظروف وفجأة مع  موت والده يجد أنه أصبح مليونيرا .. ولكي تدري حالتي جيدا .. يجب عليك أن تعرف أولا أني حتى سن العشرين من عمري لم أبصر الورقة ذات العشرة جنيهات من قبل وما عرفت أبدا طعم اللحوم إلا في الأعياد والمناسبات .. وأغلبها يكون هدية من الجيران كنذر أو جزء من أضحية العيد بل كانت الملابس الجديدة ومصروف الجيب والذهاب إلي المصيف في الإجازات كلها أشياء كانت بعيدة عن ذهني .. أتصورها مبهمة غامضة .. تصور بعد كل هذا أجد نفسي فجأة من أصحاب الأموال .. وأية أموال .. أموال لا حصر لها والحق أنني لم أستطع أن أتحمل الموقف فارتميت علي أحد المقاعد .. لشد ما أنا مذهول فأخذت أتساءل بيني وبين نفسي أيمكن أن يكون ما أنا فيه حقيقة وواقعا ؟ أحقا أنني أصبحت مليونيرا ؟ أم أن كل مابي لا يعدو حلما جميلا أعيشه ؟ ونظرت أمامي فإذا بي أري شابا غريبا جاحز العينين متهلل الملامح بفعل مفاجأة هزته.. تري من يكون ؟ إنه يرتدي ملابس مهلهلة رخيصة الثمن أشبه بملابسي من هو ؟  انه يتحرك كما أتحرك .. ويهز رأسه كما أهز رأسي وا عجباه ؟ .. إنه أنا ؟ أجل تلك صورتي في المرآة .. يا للسخرية ؟ أذلك الشاب الصعلوك الذي أمامه كل هذه الآلاف المؤلفة من الجنيهات هو أنا ؟

.. أنها لحظة عجيبة وغريبة دار معها رأسي من النشوة بعد أن عجز ذهني عن استيعابها لدرجة أنني تمنيت أن أخرج بكل الأموال التي وجدتها أمامي من المنزل ليشاهدني بها كل الناس حتى أتأكد أن ما أعيشه حقيقة واقعة وليس حلما من أحلام اليقظة وحتى أقول لهم أن مخالي المعدوم

– سابقا- ابن العشرين ربيعا تغيرت أحواله وأصبح أغني الأغنياء وسيحيا حياة الأمراء يالها من لحظة عجيبة حقا ..

لا أظن إلا أن كل واحد من الناس يتمناها لنفسه ولا أظنها تحدث لنا فى حياتنا كثيرا .. ولا حتى قليلا .. ولاشك اقتحام هذا الطارئ الجميل لحياتي جعلني أتساءل .. ماذا أنا فاعل ؟ هل أسير علي درب والدي وأحتفظ بهذه الأموال وأكنزها ؟ هل أكد وأتعب وأحرم نفسي من متع الدنيا في سبيل جمع المال وأموت دون أن أهنأ به ؟ ولم يستغرق الأمر منى مدة طويلة للتفكير حيث استقر بي الرأي على أن أستمتع بما تبقى لى من عمر وألا أخرج من الحياة وإلا وقد أفرغت كأسها فى جوفي حتى الثمالة ومن أجل أن يتحقق ما أردت قررت أن أفعل عكس ما كان يفعله والدي فى حياته فالأموال التي كان يجمعها وكأنه سيموت غدا ويكنزها وكأنه سيعيش أبد الدهر قررت أن أنفقها نعم أنفقها وأنزه نفسي بكل ما أحب واشتهى لأعوض أيام الحرمان التي فرضها علي.. وقبل أن أبدأ مخططي فى عملية الإنفاق قمت ببيع كل ممتلكات والدي وقبضت من حصيلة بيعها 20 مليونا من الجنيهات وجلست بعدها أحسب حسبتي فوجدت أنني لن أعيش أبد الدهر فقررت أن أجري حسبة منطقية تجعلني أعيش مبسوطا ولا أحرم نفسي من أي متعة طول العمر فأعيش عمري ثريا ثراء يحقق لي كل ما أردت من متع الحياة وترف العيش حتى أموت وكان مضمون هذه الحسبة أنني قسمت ما توقعت أن أعيشه من سنين علي ما أملكه من أموال فقررت أن أنفق نصف مليون كل سنة علي اعتبار أنني لن أعيش أكثر من 40 عاما .. وانطلقت بعد أن خططت لذلك جيدا وأجريت له كل الحسابات الدقيقة أنهل من متع الدنيا فتفرغت لممارسة الحياة التى بدت لى أنها تشرق لأول مرة فى حياتي بعد طول ظلمه وعبوس .. فاشتريت يختا وحملت نقودي ورحت أطوف أرجاء المعمورة وبدأت لأول مرة أتذوق الحياة وأعرف ما لم أكن أعرفه من قبل  سهرات وحفلات ومآدب وأصدقاء ونساء وشمبانيا وكونياك وكل أنواع المتع الزائلة وأتذكر ما صحب هذه الفترة التى كنت فيها مثل شهريار لي كل ليلة امرأة من مظاهر الإجلال والإكبار التي كان الناس يستقبلونني بها كأني ملكهم أو سيدهم وكان هذا التقدير بالطبع سببه ما كنت أملكه من أموال وما كنت أنفقه عليهم يمينا ويسارا وفى كل اتجاه ليس منه فائدة أو نفع .. وقد كنت إذا صادفت أحدا يعرف قصتي وكيف آلت لى أموال والدي البخيل كان يندهش – بعد أن يستشعر التناقض بين ما كان يفعله والدي مع النقود وما أصبحت أفعله أنا معها -ويتساءل كيف يكون هذا الابن المنطلق المسرف ابن الرجل البخيل المقتر على نفسه وأهل بيته وكان يختتم اندهاشه بترديد المثل القائل (مال الكنزى للنزهى)  والحقيقة أنني كنت نزيها ولكن لم أكن مسرفا لدرجة السفه فرغم انغماسي في حياة اللهو من قمة رأسي إلى أخمص قدمي إلا أنني لم أكن أنفق بتهور أو غباء أو حمق بل كنت اقتصاديا ماهرا حيث كنت أنفق نصف مليون كل سنة لا أزيد عنها ولا أنقص ومرت السنون في عز دائم ونعيم مقيم وحياة لا يخلو يوم فيها من المغامرة واللهو التى حفزني عليها الشباب وجنونه وكأني أقسمت بيني وبين نفسي أن آخذ من الدنيا أقصى ما يستطيعه إنسان من اللذات فألقيت من على كاهلي كل عبء وركلت بأقدمي كل هم وجردت نفسي من كل شئ إلا الرغبة فى المتعة واندفعت في استهتار وجنون أفعل كل ما يحلو لى ولا يقف فى سبيل شيطاني حائل فشربت حتى ثملت وغنيت ورقصت وضحكت من كل شئ فإذا لم أجد شيئا يضحكني اشتريت ما يوفر لي الضحك حتى وصلت فى النهاية أن ضحكت على نفسي بعد أن أدارت لى الدنيا ظهرها فرغم كل ما سعيت إليه من الإعداد الجيد والتخطيط المحكم جاءت النتائج مخالفة تماما لهذه الحسابات الدقيقة فقد مرت الأيام سريعا وأنا لا أرى إلا كل شئ ممتع ولا تشوب صفو العيش شائبة خيل لى معها أن الحياة قد ذهبت منها كل الهموم وانتهى فيها الشقاء إلى أن حل اليوم الأسود الذي رأيت فيه صدمات الحياة تتوالى على رأسي بعد أن تجاوزت سن الستين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك قم بتعطيل حاجب الاعلانات