أخبار العاصمة

جلال سعيد يكشف متي تحولت مصر إلي دولة رخوة

ظهر اسم اللواء عماد ميخائيل، محافظا لقنا، ضمن حركة المحافظين، التى أجراها الدكتور عصام شرف وتم إعلانها فى 14 إبريل 2011، خلفاً للواء مجدى أيوب. أدى المحافظون اليمين الدستورية، ثم انطلقوا جميعاً لمباشرة مهام مناصبهم الجديدة فى المحافظات المختلفة. للأسف لم يتمكن اللواء عماد ميخائيل من الوصول إلى مبنى محافظة قنا بسبب احتجاجات ومظاهرات وأعمال شغب وقطع للطريق الصحراوى الغربى وخط السكك الحديدية المتجه من القاهرة إلى أسوان، مما عزل محافظات أسوان والأقصر وقنا عن باقى الجمهورية، وقد كان ذلك استمراراً للنهج الذى ظهر بعد سيطرة قوى الإسلام السياسى من الإخوان والسلفيين على مجريات الأمور بعد الأيام الأولى للثورة فى يناير 2011.

لم تفلح كل السبل فى إثناء هؤلاء المحتجين عن وقفاتهم، جميع المسؤولين الذين تم إرسالهم لتهدئة الأمور لم ينجحوا، ومن بينهم وزير الداخلية نفسه، اللواء منصور العيسوى، الذى ذهب فى 18 إبريل، والذى تنحدر أصوله من نفس المحافظة، وكان من المتوقع أن ينجح فى هذه المهمة لولا الغوغائية التى كانت سيدة الموقف.

توالت محاولات الدكتور عصام شرف، رئيس الوزراء وقتها، حيث أرسل إليهم أيضاً قيادات سلفية وإخوانية، على رأسها الداعية السلفى محمد حسان والكادر الإخوانى صفوت حجازى وبعض القيادات ممن أطلق عليهم شباب الثورة، ولم ينجحوا جميعاً، واستمر الأمر على هذا النحو لعدة أسابيع لم يتمكن خلالها اللواء عماد ميخائيل من مباشرة مهام منصبه، واستقر الأمر فى أغسطس 2011 على إعادة تكليف اللواء عادل لبيب، محافظاً لقنا، بعدما كان قد ترك موقع محافظ الإسكندرية فى إبريل 2011 بسبب ثورة يناير، وقبلها كان محافظاً ناجحاً لقنا لمدة سبع سنوات من 1999 إلى 2006.

كان عدم تمكين المحافظ عماد ميخائيل من تولى منصبه، بقرار صادر ممن له سلطة رئيس الجمهورية، يمثل تحدياً للدولة وخروجاً عن القانون ومثل سابقة خطيرة، خاصة أن السبب المعلن والمعروف والمتداول أن الرفض جاء بسبب ديانة المحافظ الجديد وأنه مسيحى مثلما كان سابقه كذلك.

مثلت هذه الواقعة نقطة فاصلة فيما جرى بعدها، حيث إن الرضوخ لأعمال الخروج عن القانون كان مبرراً بعدها لقطع الطرق والسكك الحديدية من قبل كل من كانت له مطالب ويضغط لتنفيذها، وهو يعرف أن هذه الطريقة سبق أن نجحت فى تعطيل تنفيذ قرار صدر من رأس الدولة فى ذلك الوقت، ولم تواجه بالحسم والشدة، وإنما جرى تدليل مرتكبيها ومهادنتهم، ووضع هيبة الدولة على المحك، وكان ذلك فى الواقع تجسيدا واضحا لمفهوم الدولة (الرخوة) فى ذلك الوقت.

وقد عانيت أنا شخصياً من تبعات ما حدث، حيث إنه بعدما ذهبت حكومة الدكتور عصام شرف بعد ذلك بسبعة شهور فى ديسمبر 2011، وجاءت حكومة الدكتور الجنزورى، شغلت فيها موقع وزير النقل، وكانت الوقفات الاحتجاجية وقطع السكك الحديدية والطرق الرئيسية من الظواهر التى استمرت حتى ذلك الوقت، ولأسباب واهية، مثل المطالبة بتخفيص رسوم الطرق، أو المطالبة بإنشاء مزلقان للسكك الحديدية أمام قرية بعينها، أو قلة السولار، وغيرها من الأسباب، وأتذكر أننى قد دعيت فى فبراير 2012 إلى لقاء فى نقابة الصحفيين، حضره فضيلة المفتى فى ذلك الوقت، الدكتور على جمعة، والكثيرون من الكتاب وقادة الرأى، لتبصير المواطنين بخطورة الاستمرار فى أسلوب قطع الطرق والسكك الحديدية. وساعدنى الصديق، الدكتور سامى عبدالعزيز، أستاذ الإعلام المعروف، فى إنتاج فيلم قصير للتوعية بالأخطار التى تنتج عن تعطيل المرافق العامة وحرمان المواطنين- ومنهم المصاب والمريض- من الوصول إلى أماكن العلاج والمستشفيات، وكان الفيلم معبراً جداً، لدرجة أننى كنت أتأثر بشدة مع كل مرة أشاهده فيها، مع أننى كنت صاحب الفكرة ومعاصراً لجميع خطوات إنتاجه وإخراجه.

أتذكر ما حدث فى واقعة اللواء عماد ميخائيل فى إبريل 2011 والشهور القليلة بعدها، وأضعه فى المقارنة مع ما قامت به الدولة، فى أوائل إبريل الحالى، فى واقعة اعتراض أهالى قرية (شبرا البهو) بمحافظة الدقهلية على عملية دفن طبيبة فى مدافن الأسرة، بدعوى أنها كانت مصابة بفيروس كورونا، وخشيتهم من نشر هذا الوباء فى القرية، وقيامهم بقطع الطريق على سيارة الإسعاف ومنعها، وجثمان الطبيبة بداخلها، من الوصول إلى المقابر، ولمدة خمس ساعات كاملة. فى هذه المرة تحركت الدولة (القوية) بكل أجهزتها بشكل متزامن، تضمن ذلك تدخل وزارة الداخلية، والقبض على المعترضين، وإتمام دفن جثمان الطبيبة المتوفاة، فى حراسة الشرطة، وإطلاق اسمها على مدرسة القرية، وأصدر فضيلة شيخ الجامع الأزهر بياناً يدين ما حدث، وكذلك فعل الدكتور شوقى علام، مفتى الجمهورية، وأحال النائب العام المحتجين إلى التحقيق، وتم حبسهم، وأصدرت وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية ما يفيد بأن المتوفى بكورونا لا يكون مصدراً للعدوى بعد دفنه، واعتذر رئيس الوزراء لأسرة الطبيبة المتوفاة، وقام الإعلام بدوره فى إظهار أن ما حدث بعيد تماماً عن التقاليد المصرية وصحيح الدين، وفى المقابل، قامت قرية أخرى فى كفر الشيخ بتصرف مثالى وعقلانى فى حالة وفاة مماثلة حدثت بعدها بيوم واحد.. شتان بين الدولة القوية والدولة الرخوة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك قم بتعطيل حاجب الاعلانات